هل تؤيد القبض على المحرضين الكبار في الخلية الإرهابية؟
 
عاش محمد خالد طفولة هادئة.. فهل أيقظت السياسة فيه نزعة الغضب؟ طباعة ارسال لصديق
04/02/2006

عاش محمد خالد طفولة هادئة.. فهل أيقظت السياسة فيه نزعة الغضب؟
محمد خالد.. لما سَكَتَ عنه الغضب
 

صحيفة الوقت البحرينية - حسين المحروس
لم تعد اليافطات الإعلانية التي تُعلّق في الشوارع تكتفي بالكتابة، ولم تعد بيضاء فقط، ولم تنحصر مادتُها في القماش. صارت قدرات المصممين الإلكترونيين، تتسع لكلّ خيارات المعلنين غير المعلنة إعلانات ملّونة على مادة “Flaks” بجوارها صورة بورتريه تلفت الأنظار، تختصر التفكير في مسافات الإعلان وسياقاته.


وستكون أكثر لفتاً للأنظار عندما تكون صــورة البورتـريه لرجل الدين النائب محمد خالد مبتسماً، مهنئاً ‘’العـباد والبلاد’’ بالعيد السعـــيد، أو بنجاح التـــلاميذ، ‘’نفع الله بهم العباد والبلاد’’.

قيل إنّه لا يبتسم، وإنّه كتلة غضب، وقيل هو ‘’الكاسحة’’، التي تستخدمها جمعية ‘’المنبر الإسلامي’’ في الإيقاع بالخصوم في مجلس النواب [1]’’. يتمادى في الغضب، فيشدّ زميل له في الجمعية ثوبه قليلاً إشارة تعني ‘’فقدتَ أعصابك.. اهدأ قليلاً’’. لكن هذا الزميل لم يكن قريباً منه عندما تحوّل مجلس النواب في يوم السبت 1يوليو/تموز 2006 إلى ساحة معركة غضب فيها خالد، وانتهت بلكمة قوية إلى وجهه.

وعلى رغم وعيه بعيوب الغضب، لكنه يراه سلاحاً في يده. يقول ‘’أنا إنسان عادي، وطبيعي جداً.. ما فيني شي تره (...) غضبي من غضب رسول الله (ص) في وجه الباطل. وكان يُرى في وجهه الغضب عندما يرى باطلاً، وهو قدوتنا (...) أنا غضوب، أسلّ سيفي على كل وزير فيه من مراوغة الثعلب شيء’’.
في 3 فبراير/شباط 2006 نشرت الصحافة المحلية صورته حافي القدمين، يحمل العلم الدانمركي يحترق، وهو يرفع اليد اليمنى مضمومة إلى الأعلى، علامة قوة وغضب، قد بان في وجهه غضب عظيم.
يقول خالد ‘’يشرفني حرق العلم الصهيوني والأميركي والدانمركي أمام الناس، وليرض من يرضى وليغضب من يغضب (...) وأنا أعلن أنني سأقوم بحرق أعلام الدول المعادية وليحاكموني بعدها [2]’’.


لون وشكل وتوزيع الأثاث في مجلسه ينمّ عن ذوق هادئ. باقات ورد في أرجاء المكان، لا صور فوتوغرافية، لكن لوحات الزهور والطبيعة والماء بألوانها الهادئة أيضاً معلقة على الجدران. ثمّة مَنْ وزّع الطعام في طبقين متماثلين بتأنٍ، عمل فيهما ذوق المتمكّن. استقبلني ولده الصغير ‘’خالد محمد خالد’’ مبتسماً، قال ‘’تستطيع أن تقرأ اسمي من الجهتين’’، ثم علت منه ضحكة.
يجلس مع أطفاله - قبل أن يصبح نائباً- يقرأ معهم دروسهم ويتابع شؤونهم. وفي اللقاء الذي أنهاه دخول وقت صلاة العشاء ضحكنا أكثر ممّا تحدثنا.
فمن أين يأتيه كلّ هذا الغضب إذاً؟ لماذا لا يسكت عنه الغضب كما سكت عن موسى (ع)؟.
 سيرة الممحاة
في حيّ ‘’ العَمَامْرَة’’ بجزيرة المحرق، وُلد الطفل محمد خالد في العام 1964 في عائلة يعمل عائلها في مطار البحرين. نشأ في الحيّ، وتعلمّ في مدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية الإعدادية. فلما أنهى الصف الثاني الإعدادي، انتقلتْ به عائلتُه للعيش في مدنية عيسى التي لا تُشبه المحرق في شيء. كان الانتقال وفق خطّة لتفريق وتشتيت أهل المحرق. هكذا يرى خالد ‘’يقال إنّ الحكومة كانت لأهل المحرق بالمرصاد (...) شتتتهم وفرقت بينهم خصوصاً بعد المواجهات التي حدثت في الستينات هذه من خطط الإنجليز في تلك الفترة’’.
استقرتْ العائلة في مدينة عيسى، بينما صار على ولدها المجدّ الذهاب يومياً إلى مدرسة المنامة الثانوية لإكمال دراسته في قسمها التجاري. يقول خالد ‘’كنتُ من المجدين طيلة حياتي المدرسية ومن المتفوقين الأوائل بفضل رعاية الوالدين لي (...) ما كنتُ مهملاً قطّ، ولم يعاقبني معلم لتقصير في واجب أو إهمال في دراسة’’.


في هذه المرحلة صار خالد عضواً في جماعة الإذاعة المدرسية. فقد كان لصوته الجهوري، وقدراته في اللغة العربية، ما أسس لهذه العضوية بنجاح. ولم يقتصر نشاطه غير الصفّي على ذلك، فتجاوز العضوية ليصبح قائداً للجماعة الدينية في المدرسة.
ظلّ - كما يروي - إنساناً هادئاً ‘’لستُ بالشخص الشرس الذي تراني عليه في مجلس النواب الآن (...) في المدرسة كثيراً ما سُرقت مِبراتي ومِمحاتي وقَلمي الرصاص، فلا أشكو أحداً ولا أُخبر الأستاذ عنها، ولا أحاول استعادتها أبداً (...) لم أتشاجر مع طالب في المرحلتين الابتدائية والإعدادية حتى جاءت الثانوية - فترة مراهقتي- فتشاجرتُ مرتين تقريباً بعد انتهاء اليوم الدراسي (الهدّة) لا أذكر أسبابهما.. ربّما هي أمورٌ شخصية، لا علاقة لها بالدين’’.


أصدقاؤه ‘’الذين أحبهم’’ في المدرسة كثيرون، لكنه لا يذكر منهم غير خالد السعد، الذي صار شيخاً، وأستاذاً في جامعة البحرين، وصديق الطفولة عادل كامل، الذي التقى به في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة عمر بن الخطاب.
يقول خالد ‘’أصابتني صدمة شديدة عندما اكتشفت أن المعتقل البحريني في غوانتنامو، والذي دافعت عنه بشراسة هو صديقي عادل كامل (...) أيعقل أن يكون هذا الإنسان الوديع الهادئ، معتقلاً في أميركا بتهمة الإرهاب؟’’.
رعاية المصابيح
في هذه الفترة أيضا (المراهقة الهادئة) حظي خالد برعاية وعناية من نشطاء جمعية الإصلاح ‘’رعاني الأخوان في جمعية الإصلاح حيث الصحبة الطيبة والدين كفيل بتهدئة الإنسان (...) كان للمساجد دور في تهذيبي، كانت مراهقتي هادئة’’.
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في فبراير/شباط ,1979 بدأت صياغة شخصية خالد الحماسية، وصارت له جماعة دينية ينتمي إليها، ويتابع شؤون الثورة ‘’كنت متابعاً لقيام الثورة الإسلامية في إيران ومتابعاً لإذاعتها العربية كل يوم (...) تأثرت مرحلياً بالثورة كشخص سني وكانت لنا فرحة أن يزاح هذا الطاغوت الغاشم عن إيران ويأتي الخميني (...) كنا نترقب المظاهرات ونشتاق إليها حتى نخرج من المدرسة، لكن هذا الشوق أيضا لا علاقة له بالمسألة الدينية عندي فكثيراً ما انتظرنا مناسبة دينية شيعية لنغادر المدرسة، وبذا يكون يوم فرح’’.
شغلته جمعية الإصلاح التي نشطت بعد انتصار الثورة في إيران تماماً مثلما نشطت الحالة الدينية في المنطقة كلّها، ولمّا تهدأ، وجاء في خضم ذلك ما عُرِفَ بـ ‘’الصحوة الإسلامية’’، فكانت حيوية الجمعية له وِجَاء عن حيوية النساء، أو ما أَطلقَ عليه اسم ‘’الجنس الآخر’’.


يقول خالد ‘’كان لانشغالي بجمعية الإصلاح عَصراً، وليلاً دورٌ كبيرٌ في ابتعادي عن كثيرٍ من الأمور التي يقع فيها الشباب مع الجنس الآخر (...) وكذا مشاركتي لشباب المسجد في الرحالات والرياضات (...) كنت أستطيع أن أكون مع الشباب تحت مصابيح الشوارع ليلاً أو في الأسواق لكن الصحبة الطيبة أنقدتني من هذه السقطات’’.


صار خالد مهتماً كثيراً بإصلاح ‘’الشباب تحت مصابيح الشوارع ليلاً’’ وبدأ عملا متواصلاً لما عرّفه بعملية الإنقاذ ‘’كنا نرى هؤلاء الشباب فنحترق إشفاقا عليهم، ونتمنى اليوم الذي يشاركوننا فيه المسجد وأنشطته (...) لقد كان لي دور في ذلك، فعندما يأتي منهم شاب المسجد أتابعه جيداً وأتواصل معه عبر الهاتف وقد أمرّ عليه بدراجتي الهوائية وآخذه معي (...) أتابعه بشكل يومي حتى يتخلص من جماعة الشباب المفسد. ولا أتركه حتى أتأكد أنه تخلص منهم وصار قادراً على دعوة شخصية ثانية وثالثة ورابعة’’.
مسلم المصرف الربوي
أنهى خالد دراسته الثانوية التجارية، فوجد نفسه موظفاً في مصرف ربوي، غير إسلامي، مختلط، قريباً كل يوم من ‘’الجنس الآخر’’. فكيف أنقذ نفسه هذه المرّة؟.


يقول خالد ‘’كان مصرفاً مختلطاً وأجد صعوبة كبيرة جداً في التواصل مع الجنس الآخر (...) ترددتُ كثيراً في العمل فيه ولم يكن عرضا شركتي ‘’ألبا’’ و’’بابكو’’ يناسباني فتوقيت العمل فيهما يفوّت عليّ فرصة العمل في الجمعية الذي أشتاق إليه كلما انتهي عملي في المصرف (...) هكذا كنت: مسلماً بلحية صغيرة جداً، يعمل في مصرف ربوي، كم كان ذلك متعباً نفسياً’’.
عمل خالد في المصرف مدة تسعة أشهر، وصفها بالولادة العسرة. اقترب منه الموظفون وتوددوا إليه، وكانت موظفات المصرف أشدّ جرأة عليه ‘’كان بعضهن أكثر تودداً إليّ لمعرفة شخصيتي، آخرون يسألوني: لماذا يُصبح لون وجهكَ أحمر كلّما تحدثتْ امرأةٌ إليك (...) لم أستقر في المصرف إلا بعد أربعة أشهر ونصف الشهر (...) في البداية لم أكن أعرف البرتوكول الداخلي ولا المحــظورات في العمل فلم تراودني فكرة التحــدّث إلى الموظفـــات عن الديــن ولا فكرة دعوتهن إلى الحجاب كما أني لا أحبّ خلط عملي بالدعـوة (...) كنتُ أصلـي الظهــر في المصرف’’.
انتهت الشهور التسعة، منهية بذلك عذابات خالد في المصرف الربوي، غير الإسلامي، المختلط بموظفات جريئات. وقد كان أوصى أخوانه في الجمعية بتدبير عمل في إحدى الوزارات. هذا هو همّ خالد في هذه الفترة.
عمل خالد طابعاً مُحترفاً على الآلة الكاتبة في وزارة التربية والتعليم عاماً واحداً، انتقل بعده للعمل في ديوان رئيس الوزراء. وصف خالد هذه الفترة بأنّها ‘’فترة تربيتي ونضجي في الحياة. عشرون عاماً تعلمتُ فيها الكثير. كنتُ مسؤولاً عن كتابة رسائل رئيس الوزراء الخاصة (...) العمل في قمة الدولة له مذاقه الخاص، تمرّ عليَّ الكثير مما لا يعرفه الناس: أسرار وقضايا سوف أحافظ عليها (...) وفي فترة الحرب العراقية على الكويت صرنا ننام في الديوان’’.


من أين يأتي الغضب؟


طوال هذه الفترة كانت عائلة خالد هادئة، منظمة، يرى فيها عائلها أولاده، يتفقد شؤونها حتى لحظة قرار دخول خالد في الانتخابات النيابية ‘’ترشحت للبرلمان عن الدائرة السادسة في مدينة حمد (...) جاء القرار برغبة مني وبتشجيع من جمعية المنبر الإسلامي، ترددت قليلاً وقلت (لا)، لكن قرار الجمعية كان حاسماً’’.
تغيّر كلّ شيء تقريباً في العائلة، ولم تعد تهدأ، ولم يعد خالد قادراً على رؤية أهله كما كان. صار منشغلاً بقضايا وملفات ساخنة، يكفيه جزء من حرارتها لإشعال الغضب فيه. سأله أحدهم بخبث ‘’كيف يمكنك المزاوجة بين العمل في مكتب رئيس الوزراء والعمل في برلمان قد يواجه حكومة رئيس الوزراء نفسه يوماً ما؟’’. لكن السائل نسي أن خالداً لم يتوقف عن الخطابة أيضا منذ أن كان عمره 18 عاماً، وحتى هذه اللحظة. فهو الخطيب البرلماني، الذي تتلمذ على يد المرحوم الشيخ عبد الرحمن الجودر.
كان خالد خطيباً في مسجد العدلية قبل أن تُنحيه إدارة الأوقاف السنية، بعد أن رُفعت إليها عنه تقارير، ‘’الشيخ يتحدث كثيراً عن أميركا في خطبه’’. وصف خالد هذه العملية ‘’بالمؤامرة’’ وزاد حماسه ضد أميركا ‘’لن أتوقف في حربي مع الإدارة الأميركية أينما حللت، في المسجد، على المنبر، أو في البرلمان. وخصوصاً بعد تكشّف الوجه القبيح للديمقراطية الأميركية مع حماس. سأظل أعادي هذه الإدارة الخبيثة ما حييت’’.


من أين يأتيه الغضب إذا؟.


هل يأتيه الغضب من الخطابة؟ هل الحماس جهة الخطابة؟ لقد صرّح خالد أكثر من مرّة ‘’أنا أحد خطباء المساجد قبل أن أكون في البرلمان، والخطب تحتاج إلى حماس وجدية (...) ربما خلال السنوات الأربع الماضية كنت أتشنج في كثير من الأحيان، وكأنني واقف أخطب خطبة دينية (...) عملي في الخطابة ربّما يكون مؤثراً بيد أن العمل النيابي يحتاج إلى ضبط أعصاب (...) فهناك ضغوط لا يمكن تحملها في بعض الأحيان، فيخرج الموقف عن السيطرة [3]’’.
لكن هل يمكن أن تكون الخطابة هي وحدها مصدر الحماس والغضب كما يبرر خالد لسائليه؟ أم هي السيرة كلّها؟ فلم يكن غضب خالد الشديد في جلسة يوم السبت 1 يوليو/تموز 2006 ناتجاً من إلقائه خطبة على النواب. فبعد تلاسن غير متوازن بين ‘’مطرقة الظهراني’’ والنائب عبدالله العالي أغلقت الجلسة، فاشتعل الغضب في خالد، ودخل في صراع كلامي بين العالي والنائب جاسم الموالي انتهى بتوجيه لكمة قوية من الموالي لوجه خالد، قد تعيد انتخاب الموالي لفترة ثانية في المجلس القادم. فلم تكن لكمة عادية بل أشبه بإعلان انتخابي يصعب كتابته أو تصويره.


من أين يأتيه الغضب إذاً؟


من سيرته وهو التلميذ الهادئ المتفوّق الذي لم يتشاجر غير مرتين؟ من طفولته، في حي جوار البحر.. سكان الجزر الطيبين؟ من غض بصره عن سرّاق أدواته المدرسة طفلاً؟ من جماعته الدينية التي انضمّ إليها صغيراً؟ من غضّ بصره عن مَنْ أسماهم بـ ‘’الجنس الآخر’’؟ من مراهقته القاسية جداً مرّت به على سنواتها الطبيعية ولم تنزل طبعه في طبائعها؟ من روايات التاريخ الإسلامي؟ من سير المقاتلين؟ من بدر وأحد والخندق؟ من الثورة الإسلامية في إيران؟ من حضور التنافس الديني بين الاتجاهات والمذاهب؟ من الدعوة؟
متى سيسكت عنه الغضب؟
الهوامش:
[1]، [2]، [3] من حوار أجراه حسين خلف، صحيفة (الوقت)، 4 فبراير/شباط .2006

 
< السابق   التالى >