
نعرف أن الصياغة التقريرية غير معنية برصد الأسباب والمسببات وتحليلها، وتلك واحدة من أسباب جعل التقرير مادة خام تعطى لمن يريد أن يتخذ قراراً أو حكماً، إنما حتى الصياغة التقريرية الجامدة بإمكانها أن تقودك لاستنتاج دون آخر لو شاءت، وبقدر ما تقترن الصياغة بالمعطيات المنطقية، وبقدر المسافة بين صياغة التقرير وبين الحكم أو التصور المحدد تقاس حياديته ومهنيته، فكلما دفعتك الصياغة قسراً للوصول لاستنتاج معين فتلك صياغة لا ترتقي لمستوى المهنية.
وفي تقرير الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان مسافات قصيرة جداً بين الصياغة وبين الأحكام مما يفقده قدراً كبيراً من المهنية ولنورد أحد الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر، ففي وصف التقرير لواحدة من المسيرات التي بلغ عددها 116 مسيرة واعتصام ذكر التقرير سبع مصادمات مع الشرطة واحدة منها صيغت كالتالي: ''وفي قرية كرزكان حدثت مصادمات بين متظاهرين وقوات مكافحة الشغب استخدمت فيها مسيلات الدموع والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين، فيما أشعل المتظاهرون إطارات السيارات عند مدخل القرية'' انتهى.
هذه صياغة تقريرية جامدة ليس بها تحليل وليس بها رأي، أو هكذا يبدو الأمر..
إنما هذه الصياغة جعلت من الحادثة تبدو وكان حرق الإطارات جاء كرد فعل على القوة التي استخدمتها قوات مكافحة الشغب لتفريق المتظاهرين، وذلك يقودك إلى حكم مسبق على رجال للأمن استخدموا العنف دون مبرر وعلى متظاهرين انفعلوا غضبوا على تصرف الشرطة فحرقوا الإطارات، في حين أن سياق المعطيات التي أقر بها التقرير وهي خروج 116 مسيرة واعتصام لم يحدث صدام مع المتظاهرين إلا في سبع منها أي خرجت 109 مسيرات واعتصام دون حدوث صدام فإن الصياغة التقريرية بإمكانها أن تصيغ الخبر كالتالي: ''سد مدخل لقرية كرزكان بإطارات أحرقها متظاهرون، وقام رجال الأمن بتفريق المتظاهرين باستخدام مسيلات الدموع''، وبين صياغة التقرير وبين هذه الصياغة فرق شاسع فكل صياغة منها تقودك لاستنتاج مختلف وتصور مختلف للرواية وكل رواية تقربك لحكم معين، ولك أن تستعين بالمعطيات الأخرى لتقرر حكمك على التقرير قبل حكمك على الحادثة.
فما لم يكن هناك دليل على أن رجال الأمن فضوا تجمعاً سلمياً قانونياً، وما لم يكن هناك دليل على أن استخدام القوة جاء سابقاً على حرق الإطارات، وما لم يكن هناك دليل على استخدام الرصاص المطاطي فإن الأقرب هو الاستعانة بالمعطيات السابقة.
المثال الثاني الذي سنورده خاص بالمنهجية الراصدة وآلياتها، فحين لا يجد كاتب التقرير غضاضة باستخدام توصيفات عامة قيلت في كلام مرسل وإدراجها ضمن تقرير مهني كالذي جاء في العبارة التالية: ''الأمر الذي اعتبره الأهالي بمثابة العقاب الجماعي''، توصيفاً لاستخدام رجال الأمن مسيلات للدموع، فإن من صاغ التقرير لا يمانع في إدراج تهمة خطيرة للنظام السياسي كتهمة العقوبات الجماعية وهي تهمة مرتبطة بصور الإبادات والتهجير دون دليل ودون معطيات يرتكز عليها، ولا يعفيه من تحمل مسؤوليتها أنها ذكرت على لسان الأهالي! فإن كانت هذه هي آليات الرصد كيف لي أن أثق بوعي القائمين على صياغة تقرير من هذا النوع بمفهوم المهنية واستحقاقاتها؟
ثالثاً حين يخلط التقرير دون تفريق بين الأضرار الجسدية الناجمة عن الأحداث الجنائية التي يرتكبها أفراد ضد بعضهم البعض وتلك الناجمة عن صدامات مع رجال الأمن تحت عنوان ''الحق في الحياة والسلامة الجسدية'' رغم وجود جرائم جنائية غير التي ورد ذكرها في التقرير وحدثت في ذلك العام فإن ذلك يوحي بأن وراء تلك الحوادث الجنائية أهدافاً سياسية!
وما لم يملك التقرير دليلاً على وجود شبهة سياسية تقف وراء هذه الحوادث فكان حرياً به إما الامتناع عن ذكرها في هذا السياق، أو ذكر كافة أحداث القتل والاختفاء والاعتداءات التي وقعت على السلامة الجسدية في البحرين عام 2007 حتى لا نربأ بمن مسك زمام الحقوق أن يخلط أو يدس أوراق في أوراق، فنحن لا نملك دليلاً على نواياه.
الأمثلة كثيرة وللحديث بقية نكمله في الغد حول العدالة الانتقالية التي ورد ذكرها في التقرير إنما قبل ذلك لا يلومني كاتب التقرير على التركيز على سلبيات التقرير وعدم الوقوف عند حسناته وإيجابياته رغم وجودها ورغم كثرتها، إنما كنت أتبع منهجيته ومدرسته التقريرية التي لا ترى في الإنصاف وذكر الإنجازات إلا تطبيلاً وحرقاً للمباخر ولم نقم إلا باتباع مسطرته.