هل تؤيد إقامة مرجعية سنية بالبحرين؟
 
التقرير 2 طباعة ارسال لصديق
02/07/2008
نعرف أن الصياغة التقريرية‮ ‬غير معنية برصد الأسباب والمسببات وتحليلها،‮ ‬وتلك واحدة من أسباب جعل التقرير مادة خام تعطى لمن‮ ‬يريد أن‮ ‬يتخذ قراراً‮ ‬أو حكماً،‮ ‬إنما حتى الصياغة التقريرية الجامدة بإمكانها أن تقودك لاستنتاج دون آخر لو شاءت،‮ ‬وبقدر ما تقترن الصياغة بالمعطيات المنطقية،‮ ‬وبقدر المسافة بين صياغة التقرير وبين الحكم أو التصور المحدد تقاس حياديته ومهنيته،‮ ‬فكلما دفعتك الصياغة قسراً‮ ‬للوصول لاستنتاج معين فتلك صياغة لا ترتقي‮ ‬لمستوى المهنية‮.‬
وفي‮ ‬تقرير الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان مسافات قصيرة جداً‮ ‬بين الصياغة وبين الأحكام مما‮ ‬يفقده قدراً‮ ‬كبيراً‮ ‬من المهنية ولنورد أحد الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر،‮ ‬ففي‮ ‬وصف التقرير لواحدة من المسيرات التي‮ ‬بلغ‮ ‬عددها‮ ‬116‮ ‬مسيرة واعتصام ذكر التقرير سبع مصادمات مع الشرطة واحدة منها صيغت كالتالي‮: ''‬وفي‮ ‬قرية كرزكان حدثت مصادمات بين متظاهرين وقوات مكافحة الشغب استخدمت فيها مسيلات الدموع والرصاص المطاطي‮ ‬لتفريق المتظاهرين،‮ ‬فيما أشعل المتظاهرون إطارات السيارات عند مدخل القرية‮'' ‬انتهى‮.‬
هذه صياغة تقريرية جامدة ليس بها تحليل وليس بها رأي،‮ ‬أو هكذا‮ ‬يبدو الأمر‮.. ‬
إنما هذه الصياغة جعلت من الحادثة تبدو وكان حرق الإطارات جاء كرد فعل على القوة التي‮ ‬استخدمتها قوات مكافحة الشغب لتفريق المتظاهرين،‮ ‬وذلك‮ ‬يقودك إلى حكم مسبق على رجال للأمن استخدموا العنف دون مبرر وعلى متظاهرين انفعلوا‮ ‬غضبوا على تصرف الشرطة فحرقوا الإطارات،‮ ‬في‮ ‬حين أن سياق المعطيات التي‮ ‬أقر بها التقرير وهي‮ ‬خروج‮ ‬116‮ ‬مسيرة واعتصام لم‮ ‬يحدث صدام مع المتظاهرين إلا في‮ ‬سبع منها أي‮ ‬خرجت‮ ‬109‮ ‬مسيرات واعتصام دون حدوث صدام فإن الصياغة التقريرية بإمكانها أن تصيغ‮ ‬الخبر كالتالي‮: ''‬سد مدخل لقرية كرزكان بإطارات أحرقها متظاهرون،‮ ‬وقام رجال الأمن بتفريق المتظاهرين باستخدام مسيلات الدموع‮''‬،‮ ‬وبين صياغة التقرير وبين هذه الصياغة فرق شاسع فكل صياغة منها تقودك لاستنتاج مختلف وتصور مختلف للرواية وكل رواية تقربك لحكم معين،‮ ‬ولك أن تستعين بالمعطيات الأخرى لتقرر حكمك على التقرير قبل حكمك على الحادثة‮. ‬
فما لم‮ ‬يكن هناك دليل على أن رجال الأمن فضوا تجمعاً‮ ‬سلمياً‮ ‬قانونياً،‮ ‬وما لم‮ ‬يكن هناك دليل على أن استخدام القوة جاء سابقاً‮ ‬على حرق الإطارات،‮ ‬وما لم‮ ‬يكن هناك دليل على استخدام الرصاص المطاطي‮ ‬فإن الأقرب هو الاستعانة بالمعطيات السابقة‮.‬
المثال الثاني‮ ‬الذي‮ ‬سنورده خاص بالمنهجية الراصدة وآلياتها،‮ ‬فحين لا‮ ‬يجد كاتب التقرير‮ ‬غضاضة باستخدام توصيفات عامة قيلت في‮ ‬كلام مرسل وإدراجها ضمن تقرير مهني‮ ‬كالذي‮ ‬جاء في‮ ‬العبارة التالية‮: ''‬الأمر الذي‮ ‬اعتبره الأهالي‮ ‬بمثابة العقاب الجماعي‮''‬،‮ ‬توصيفاً‮ ‬لاستخدام رجال الأمن مسيلات للدموع،‮ ‬فإن من صاغ‮ ‬التقرير لا‮ ‬يمانع في‮ ‬إدراج تهمة خطيرة للنظام السياسي‮ ‬كتهمة العقوبات الجماعية وهي‮ ‬تهمة مرتبطة بصور الإبادات والتهجير دون دليل ودون معطيات‮ ‬يرتكز عليها،‮ ‬ولا‮ ‬يعفيه من تحمل مسؤوليتها أنها ذكرت على لسان الأهالي‮! ‬فإن كانت هذه هي‮ ‬آليات الرصد كيف لي‮ ‬أن أثق بوعي‮ ‬القائمين على صياغة تقرير من هذا النوع بمفهوم المهنية واستحقاقاتها؟
ثالثاً‮ ‬حين‮ ‬يخلط التقرير دون تفريق بين الأضرار الجسدية الناجمة عن الأحداث الجنائية التي‮ ‬يرتكبها أفراد ضد بعضهم البعض وتلك الناجمة عن صدامات مع رجال الأمن تحت عنوان‮ ''‬الحق في‮ ‬الحياة والسلامة الجسدية‮'' ‬رغم وجود جرائم جنائية‮ ‬غير التي‮ ‬ورد ذكرها في‮ ‬التقرير وحدثت في‮ ‬ذلك العام فإن ذلك‮ ‬يوحي‮ ‬بأن وراء تلك الحوادث الجنائية أهدافاً‮ ‬سياسية‮! ‬
وما لم‮ ‬يملك التقرير دليلاً‮ ‬على وجود شبهة سياسية تقف وراء هذه الحوادث فكان حرياً‮ ‬به إما الامتناع عن ذكرها في‮ ‬هذا السياق،‮ ‬أو ذكر كافة أحداث القتل والاختفاء والاعتداءات التي‮ ‬وقعت على السلامة الجسدية في‮ ‬البحرين عام‮ ‬2007‮ ‬حتى لا نربأ بمن مسك زمام الحقوق أن‮ ‬يخلط أو‮ ‬يدس أوراق في‮ ‬أوراق،‮ ‬فنحن لا نملك دليلاً‮ ‬على نواياه‮.‬
الأمثلة كثيرة وللحديث بقية نكمله في‮ ‬الغد حول العدالة الانتقالية التي‮ ‬ورد ذكرها في‮ ‬التقرير إنما قبل ذلك لا‮ ‬يلومني‮ ‬كاتب التقرير على التركيز على سلبيات التقرير وعدم الوقوف عند حسناته وإيجابياته رغم وجودها ورغم كثرتها،‮ ‬إنما كنت أتبع منهجيته ومدرسته التقريرية التي‮ ‬لا ترى في‮ ‬الإنصاف وذكر الإنجازات إلا تطبيلاً‮ ‬وحرقاً‮ ‬للمباخر ولم نقم إلا باتباع مسطرته‮.‬
 
< السابق   التالى >