|
18/06/2008 |
صحيفة الوطن البحرينية - مقال سوسن الشاعر
لكثرة ما خاطب الدعاة جمهورهم بخصوصية، وبقاعات مغلقة لعقود مضت ظنوا أنه لا أحد في الخارج، فلا نعجب أن يسمي الدعاة جمهورهم ''بالشعب'' فذلك الانغلاق صوّر لهم أنّ البحرين كلها اختُزلت بمن هم في القاعة، وأن الآخرين الموجودين في الخارج أشباح لا اعتبار لوجودهم.
اليوم أتاحت وسائل الإعلام والاتصالات لخطب الدعاة ورجال الدين كافة أن تُنشر من خلال الصحف ومن خلال مواقع الإنترنت، فأصبح جمهور هذه الخطب المتلقي لها هم ''الشعب'' برمته، بسنته وشيعته، بتعدد أطيافهم الفكرية والمذهبية وليس فقط من حضر المأتم أو المسجد هم الشعب، لهذا فوجئ الدّعاة أن هناك من لا يتفق معهم فيما يطرحونه في خطبهم، وفوجئ الدعاة أن هناك من يجادل في آرائهم، وهذا وضع جديد لم يعتادوه ولم يألفوه لا هم ولا جمهور قاعاتهم، ليس هذا فحسب بل فوجئوا بأن من يختلف معهم يعلن عن ذلك الاختلاف صراحة من خلال الصحف ومن خلال منابرهم العامة، وبخطاب عادي جدًّا لا به مقدمات التبجيل ولا به مصطلحات التقديس التي اعتادت آذانهم عليها فعدّوا ذلك انتهاكًا وتعديًا واستفزازًا.
الذي يجب أن يعرفه الدّعاة ومريدوهم اليوم أن المتلقي البحريني بأطيافه المتعددة ينظر لهذا الداعية أو ذاك على أنه مواطن بحريني ألقى خطابًا مسّ شأنه العام، وفي هذه الحالة لهذا الإنسان وعليه، مثلما لأي مواطن عادي بما له وما عليه من حقوق وواجبات تحفظها له القوانين الدستورية لا أكثر ولا أقل، من خلال هذه الأطر نحن نخاطب كل الدعاة ونتعامل معهم، على أنهم مجرد مواطنين مثلنا، ومثلما نتقبل من يختلف معنا عليهم هم أن يتقبلوا رأي من يختلف معهم خاصة وهم يتكلمون في شؤوننا العامة وليس لهم حق في قمع تلك الآراء.
فقليلاً من التروي يا جماعة الحوزات والإخوة في جمعية الوفاق، فعيسى قاسم ليس رمزًا ولا شخصًا مقدسًا عند بقية البحرينيين مثلما هو عندكم، ولا يمكنكم أن تجعلوه كذلك بألف مسيرة وبألف بيان تصدرونه، قدّسوه بجّلوه أنتم واجعلوا منه رمزًا ولكم مطلق الحرية، بل والأكثر لكم الاحترام ولخياراتكم ولقناعتكم واجب الاحترام علينا، كما أن لكم مطلق الحرية في معتقداتكم الدينية لا أحد يفرضها عليكم أو يفرض عليكم التخلي عنها، إنما ذلك شأنكم، أما رموزكم سواء كانوا عيسى قاسم أو غيره إن تحدثوا في شأن عام فذلك يعني خطابًا عامًّا، وهناك شعب بمعنى الكلمة خارج نطاق مأتمه وخارج نطاق سور مسجده الذي قال فيه رأيه وصلى به، ومثلما أسمعَ هذا الشعبَ رأيه من واجبه الاستماع لرأي كل فرد منهم دون تفرقة، سواء جاء هذا الذي ردّ عليه نائبًا أو غير نائب، جاءه من متعلم وحاصل على الدكتوراه أو جاءه من لا يعرف أن يفكّ الخط فكلهم سواسية مثله تمامًا أمام القانون لا يزيد عنهم قيد أنملة.
لن يجادل أحد عيسى قاسمَ أو غيرَه من الدعاة مادام الحديث مقتصرًا على المعتقدات الدينية، فذلك جدل سفسطائي لا طائل منه، لكن تتوقعون منّا أن نسمع رأيه في الشقق الإسكانية، ونسمعه وهو يضع سيناريو يتناول السّلم الأهلي العام والأمن الاجتماعي العام بحكم مسبق على المؤسسات القضائية يهدّد فيه القضاء ما لم ينصَع لحكمه، ونقدّس له هذا الرأي ولا نختلف معه؟
فإما أن يفرض علينا رأيه وتفرضون أنتم علينا تقديس رأيه والتغاضي عن الاختلاف معه، وإلا ترهيب وتخويف بالمسيرات والاعتصامات فاسمحوا لي فقد قلتم إذًا شططا!
الاختلاف مع الرأي ليس انتهاكًا ولا استفزازًا ولا تعديًا، لكن أذنكم لم تعتَد سماع اسم عيسى قاسم بدون ألقاب التفخيم والتبجيل، ولم تتقبل بعد الاختلاف معه وجداله في آرائه، لذا تظنون أن الاختلاف معه تعدٍّ عليه، ومجادلته انتهاك لرمزيته، أو كما قال خليل مرزوق مساس بكرامتكم.
أخيرًا للدولة قانون.. إن رأى عيسى قاسم أو مقلّدوه في أي قول من الذين اختلفوا معه ما يخالف هذا القانون، فلهم أن يلجأوا لهذا القانون يحتمون به ومن خلال مؤسساتنا القضائية التي نكنّ لها كل الاحترام وإن تحفظنا على بعض أدائها، غير ذلك لن يجد هو أو غيره ملجأ غير القانون يحميه من النقد والاختلاف، ولن يسمع من غير مقلديه غير الخطاب العادي الذي يلتزم بأدب الحوار العام فحسب.
|